تعرفت عليه وتصارحنا…ربما يغير مجرى حياتي
هذه التدوينة التي أبكتني للأستاذ فؤاد الفرحان
تعرفت عليه وتصارحنا…ربما يغير مجرى حياتي
من محاسن الإنترنت أنها تعرفك على أشخاص يشاركونك الإهتمام والتفكير. تصلني كثير من الرسائل الخاصة من الزائرين. أحدهم راسلني يقول أنه متابع لهذه المدونة ويعيش في جدة كذلك، ويرغب في لقائي. رحبت به وتبادلنا أرقام الجوال. حاولنا كثيراً اللقاء في السابق ولكن لكثرة سفري كانت تذهب الفرصة تلو الأخرى. أخيراً، اختار هو أن يكون لقاءنا مساء أمس على كورنيش جدة بعد منتجع الشراع. كان مصراً على أن يكون اللقاء على شاطيء البحر والساعة الحادية عشر مساءً حتى تكون عوامل المكان والزمان والجو مساعدة للدخول في جلسة فكرية معي كما ذكر.
اتجهت للموقع في المكان والزمان المحددان. تعرفت عليه من سيارته التي وصفها لي. قام ليحييني فتعثر بفنجال الشاي الذي سال على البساط. كان ذلك مدخلاً للتعليقات اللاذعة التي لم نتوقف عن طرحها على بعضنا البعض طوال اللقاء. قال لي بأنه مصر على لقاءي لوجود العديد من الإهتمامات المشتركة بيننا وأنه كذلك في بداية الثلاثينات من العمر، متزوج ولديه طفلان. لديه عينان واضح فيهما السهر، ولديه بوادر عودة لحية يظهر عدم اهتمامه بها. هيئته توحي لك بأنه يمر في وقت صعب. لم يسمح لي بمحاولة التعرف أكثر عليه. بعد أن قدم لي كوب الشاي، بادرني بالحوار الصريح، فكان حواراً لن ينتهي. سألته في البداية:
أنا: ما أكثر لفت انتباهك في مدونتي؟
هو: استوقفني كثيراً شعار مدونتك “بحثاً عن الحرية، الكرامة، العدالة، المساواة، الشورى، وباقي القيم الإسلامية المفقودة”. أتمنى أن تكون فعلاً واقعك وليس مجرد شعار.
أنا: لا، ليست شعار بل واقع. هل تبحث عنها كذلك؟
هو: نعم. عندما يقرأ أطفالي قصة من تاريخنا فيها ترسيخ لتلك القيم ولا يجداها حية على أرض الواقع فبالتأكيد سيكبرون ليصبحوا مثل الكثير من مجتمعنا يعيشون أصناف من التشتت الفكري والنفاق الإجتماعي. لا أريد لهم ذلك. أريد أن أعرف ماهو معنى الحرية لأمارسها وأعرفها لأطفالي؟ وأريد أن أعرف ماذا تعني الكرامة بالنسبة لي كمواطن سعودي؟ أريد أن أثق في عدالة المجتمع والقضاء السعودي؟ وأن أرى المساواة بين أفراد المجتمع بدون أي تمييز مذهبي أو قبلي أو مناطقي؟ أتمنى أن أرى للشعب رأي وكلمة يتم الإلتفات إليها وتطبيقها فنحن شركاء في الوطن كذلك.
أنا: هل تقصد بأنك تبحث عن معانيها الفكرية أم عن تطبيقاتها؟
هو: كلاهما. صحيح أن حسم معانيها ضروري ولكن سينتهي عمري قبل أن نجد إجماعاً على معانيها وحدودها. ولذلك أرغب في رؤية تطبيقات مشجعة لها متقبلاً للمخاطر والنتائج السلبية التي ربما تظهر لنا. سيكون هناك سلبيات ولكن سيكون حالنا مع تلك السلبيات أفضل من حال التقهقر التي نعيشها. ليس لدينا العديد من الخيارات.
أنا: هل ترى وضعنا يدعوا للتفاؤل أم للتشاؤم؟
هو: بل للتشاؤم بكل تأكيد.
أنا: ذلك مؤسف، لماذا؟
هو: أنت تكلمت عن ذلك في مدونتك. لا تحتاج لخبير سياسي واستراتيجي ليرى الوضع كما هو. صحيح أن الملك عبدالله له شخصية محبوبة وتحس برغبته في عمل شيء جيد، ولكنه لم يطرح برنامج إصلاح متكامل نعرف ملامحه وتفاصيله لكي نستطيع الشعور بالأمان على مستقبلنا والمشاركة فيه. كل الذي نراه هو مشاريع تفتتح هنا وهناك ولكن لا نعرف تحت أي خطة؟ كما أن هناك إعتقالات للكثير من الشخصيات المعروفة تمت تحت إتهامات بدعم الإرهاب مثل من تحدثت عنهم أنت في مدونتك. هناك الالاف من شبابنا في السجون بدون محاكمات منذ سنوات. من حقهم محاكمات علنية. هناك نسب بطالة متصاعدة بوضوح ولها إنعكاسات خطيرة نستشعرها يومياً. هناك تزايد في عدد الجرائم وتنوع بشع. هناك حرب إعلامية بين أطراف المجتمع الإسلامية والليبرالية تشير إلى مستقبل مخيف. هناك قضاة أصبحوا جلادين كالقاضي الذي تعامل مع قضية النساء المعتصمات في القصيم. هناك حرب في العراق ولبنان وفلسطين والسودان والصومال وقريباً إيران. هناك إرهاب هنا وفي الجزائر والمغرب وكل مكان. الشعب سقط في وحل الديون بسبب مافيا الأسهم والبنوك. قصص الإنتحار والمشاكل النفسية أصبحت متكررة بشكل ملحوظ للجميع. الإعلام لازال يمارس النفاق بكل أشكاله والعلماء والمفكرين والمثقفين يمارسون الصمت تجاه كل هذه الأوضاع. تلك خيانة عظمى منهم لا تغتفر لهم تجاهنا وتجاه الأجيال القادمة.
أنا: لا يوجد شيء ماشي صح في هالبلد؟
هو: يمكن، ولكنها ليست بالأهمية التي تجعلنا نلاحظها. أو على الأقل أتكلم عن نفسي، لا شيء أراه يطمئنني. في الحقيقة، أن الأمر يعتمد على محيط الشخص. إن كان وضعك المالي ممتاز ومرتاح وتخالط أناس يعيشون مثل وضعك فلن ترى الصورة بالشكل القاتم الذي أراها. أما إذا كنت تعيش مع الناس، تسمع منهم شكواهم وتذمرهم وتستشعر رعبهم من المستقبل فترى الصورة قاتمة كما أراها.
أنا: تذمرك كثير ومزعج، ما هو الحل؟
هو: بالنسبة لي، قد حزمت أمري نحو الهجرة.
أنا: عذراً، الهجرة؟ لا لا، حالتك صعبة. الهجرة كلمة كبيرة!
هو: سيدي الفاضل. أولاً، الأرض هو كوكب خلقه الله ويملكه الله. عندما خلقك الله في هذا الوطن، لم يلزمك أن تعيش فيه حتى الممات. بالنسبة لي، بدون أن تكون لي حرية، وبدون أن أعيش بكرامة، وبدون أن أستشعر معاني العدالة والمساواة والشورى مجسدة أمامي فأنا غير مرغوب في تواجدي هنا.
أنا: ألا تفضل أن تعبر عن رأيك هنا مع عائلتك وأصدقائك والعالم وتشاركهم أحلامك وأمنياتك وتتحمل المخاطر من أجل ذلك؟
هو: لا يا سيدي. لا أعتقد أن مجتمعنا يستحق التضحيات. لا يستحق التضحيات إلا من يقابلها بمزيد من التضحيات. كل من ضحى سلمياً لأجل المجتمع تم رميه في السجن ولم يتذكره أحد. لماذا أعرض نفسي للظلم والسجن كما حصل لغيري؟ لن يهتم بي أحد، فلماذا أهتم بهم؟ لست مهتم بالعمل السياسي ولا أسعى لمنصب وشهرة. وطني لم يعرف لي حقوقي. وطني لا يريدني. لماذا أبقى هنا؟
أنا: ولكن إذا هاجرت وهاجر أمثالك من الغيورين، فهذا ليس حلاً!
هو: يا أخي أنت لا تسمعني. أنا أريد أن أعبر عن رأيي بدون أن أخاف أن يعتقلني أحد ويرميني سنيناً في السجن بدون محاكمة كما حصل لغيري. أريد أن لا تظهر لي صورة قضبان السجن كلما فكرت في التعبير عن رأيي. أريد صحيفة واحدة تحترمني وتعبر عن حال المجتمع الحقيقي. أريد قاض عادل يسعى لإخراج المظلومين من السجون. أريد عالماً يقول كلمة حق. أريد مثقفاً لا يخون وطنه وقلمه. أريد معلماً في المدرسة لا يسعى لحشو عقول أطفالي ولكن يعلمهم كيف يفكرون ويبحثون. أريد موظف حكومي يحضر عند بداية وقت الدوام ويخرج عند نهايته ويخدمني بإخلاص. أريد مسؤولاً لا يخون الأمانة.
أنا: اسمح لي أن أقول لك بأنه يوجد مثل هؤلاء الأشخاص. الدنيا لاتزال بخير، صدقني!
هو: نعم موجودين كأقلية. لو كانوا هم الأغلبية لما كان هذا حال المجتمع. الواقع يقول أنهم أقلية وفي تناقص.
أنا: ولكن لماذا الهرب؟
هو: يا أخي أنت لا تفكر جيداً. كل الوضع الخارجي مخيف كما ذكرت لك. حروب في كل مكان. والوضع الداخلي مخيف جداً كما أراه. كل المؤشرات تقول لي أخرج. ولذلك سأخرج.
أنا: ستخرج، إلى أين؟
هو: أي مكان أستطيع أن أعيش وأرى فيه قيم الحرية، الكرامة، العدالة، المساواة، الشورى مطبقة.
أنا: لن تجد ذلك المكان. ليس هناك بلد في الدنيا تجد فيه كل تلك القيم مجسدة بالكامل!
هو: صحيح، ولكن ستجدها مجسدة لدرجة مرضية في بعض البلاد لتكون قابلة للعيش فيها. لا أطلب الصورة الكاملة. لست بحالماً مثلك. يكفيني أن يكون في ذلك البلد دستوراً مكتوباً وممارسات حقيقية لتلك القيم حتى ولو كانت ناقصة. على الأقل شيء أفضل من لاشيء.
أنا: ماذا عن أطفالك؟ سيعيشون في بيئة غريبة عنهم، سينشأون على ثقافة غير ثقافتهم!
هو: صحيح. ولكن الثقافة التي تخشاها أصبحت ملموسة هنا. الفضائيات والإنترنت وغيرها سهلت نقل هذه الثقافات إلينا. للأسف أن سلبيات تلك الثقافات انتقلت إلينا هنا أما الإيجابيات فلم نأخذها منها. ثم ماذا حصل لنا عندما نشأنا في بيئتنا؟ ماذا حصل لنا عندما تشربنا ثقافتنا؟ هذا المجتمع هو نتيج بيئتنا وثقافتنا. وهذا الوضع لا يرضيني. إذاً عندما ينشأ أطفالي في وضع مختلف لا أعتقد أن وضعهم سيكون أسوأ من وضعهم لو عاشوا في وضعنا هذا. على الأقل، سيجدون الحرية للتفكير وسيتعلمون واقعياً وميدانياً التعبير عن آرائهم وسيرون شيئاً من
قيم العدالة والمساواة والشورى مطبقة أمامهم ولو بشكل غير كامل فيؤمنون بها ويتفاعلون معها. ولا تنسى بأنني سأحمل معي كل الإيجابيات التي تشربناها من ثقافتنا وسألقنها لأطفالي.
أنا: عجيب أمرك. أتفق معك في كثير مما قلته ولكني أختلف معك في مسألة الهجرة. أنا أيضاً ليس لي هم سوى رؤية معاني قيم الحرية والعدالة ممثلة واقعاً في مجتمعنا. لست أسعى للصدام مع أي أحد ولا أؤمن بالعنف مثلك تماماً. أتمنى رؤية مرحلة إصلاح حقيقية تطلقها الحكومة وتلم شملنا وتعيد فينا التفاؤل وحب الحياة. أريد سماع أخبار مفرحة من فم الملك. أريد رؤية المسجونين المظلومين وقد إلتم شملهم مع عوائلهم ومحبيهم. لا أرغب في رؤية متاريس الجيش في شوارعنا. أريد رؤية محاكمات علنية للصوص مال الشعب. أعتقد أن مطالبي مشروعة كمواطن من هذا الشعب. وأعتقد أنه واجب على الحكومة الإستماع لما نقول.
هو: أعرف أننا نتفق على كل هذه الأمور ولذلك حرصت على لقاءك ولكننا نختلف على الحل. أنا أرى بأنه من الصعوبة وضع الأمور في نصابها الصحيح، فلقد خرجت الأمور عن السيطرة ولذلك الهجرة هي الحل.
أنا: عفواً ولكني أرى بأنه لازال هناك أمل. لابد وأن هناك من يرى الأمور بوضعها الحقيقي وليس كما يصوره له الإعلام أو البطانة الفاسدة. لابد أن هناك من يخطط للخروج ببرنامج إصلاحي شامل لمشاكل الشعب. ربما ينجح وربما لا ينجح في حل كل المشاكل. ولكن على الأقل سيكون مدخل لبرامج إصلاح متتالية حتى نصل للوضع الذي نتمناه جميعاً.
هو: معذرة ولكنك تحلم. نصيحتي بأن تلحق بي. كل ما أفعله الآن هو جمع أكبر قدر ممكن من المال أستطيع جمعه ثم حزم حقائبنا والتوجه لوطن بديل. وطن يرحب بي ولا يطردني. وطن يحتضنني لا يسجنني. وطن لا أخاف فيه منه.
أنا: سعدت كثيراً بالجلوس معك على الرغم من عمق التشاؤم الذي أبديته. ولكن أتمنى فعلاً أن تعيد التفكير كثيراً في مسألة الهجرة.
هو: وأنا كذلك سعدت بالتعرف عليك عن قرب. وأتمنى أن تفكر أنت فعلاً في ما تفعله في مدونتك هذه. أنت تحلم وتعرض نفسك للخطر وتضيع وقتك. ركز على عملك وأجمع ما تستطيع من مال ثم ألحق بي. على الأقل يصبح لي جار مثلك
أنا: ما رأيك أن نبقي تواصلنا ونواصل حوارنا حتى يقنع أحدنا الآخر. فإما أقنعتك بالبقاء أو تقنعني بالهجرة معك. هناك الكثير مما يمكن أن أتعلمه منك.
هو: موافق. أقترح أن يكون بيننا لقاء دوري كل أسبوعين في نفس هذا المكان وحبذا في نفس الوقت. والمرة القادمة عليك أن تحضر الشاي والمكسرات. وأتمنى أن لا يكون سوانا في هذه اللقاءات.
أنا: تمام. تحياتي لعائلتك المصونة.
هو: بالتوفيق. فرصة سعيدة.
أنا: عفواً، من العجيب أنني نسيت أن أسألك عن إسمك؟
هو: الفرحان فؤاد.
سأحرص على لقاءه بين الحين والآخر ولن أتجاهله..
لا أعلم من سينجح بإقناع الآخر. أنا أم أنا..
أبوجورى شكر خاص للمدون
على أقتراحه الرائع أتمنا أن يتم التعريف بتدوينات الأستاذفؤاد الفرحان حتى يتعرف علية الناس بشكل أصدق.
فرج الله عنه
أمل
|
posted 11. فبراير 2008
ابراهيم
12. فبراير 2008
يالله ..
أمل , من أين أتيت بهذه التدوينه … مع أني كنت أقرا كل مايكتبه في تلك الفتره … ولكن لم أقرئها الا الآن في مدونتك.
هل يا ترى فؤاد كان متفائل أم أن صاحبه متشائم؟
أم أنهم كلهم على حق
ولكن لفت انتباهي كلام الشخص عندما قال لفؤاد في آخر المقاله :-
“ هو: وأنا كذلك سعدت بالتعرف عليك عن قرب. وأتمنى أن تفكر أنت فعلاً في ما تفعله في مدونتك هذه. أنت تحلم وتعرض نفسك للخطر وتضيع وقتك. ركز على عملك وأجمع ما تستطيع من مال ثم ألحق بي. على الأقل يصبح لي جار مثلك “
هذا ماحدث
JUST HOPE
12. فبراير 2008
أهلين أستاذ أبراهيم
أنا لم أتعرف على مدونة الأستاذ فؤاد الفرحان إلا من فترة ليست طويلة وهذه التدوينة أبكتني….فهو يتحدث مع ذاته فيها…حديثاً دار بخلدي وبخلد الكثيراً .
ما أخافة هو هل سيقنع الفرحان فؤاد بالهجره؟؟؟ :( أمل